الجمعة، 1 أكتوبر، 2010

أفي المكلا مطار دولي؟!

العمال ينقلون الحقائب على ظهورهم والموظفون ينهون إجراءات الحجز يدوياً و صالات بلا تكييف وكراسي تصيبك بالآلام في الظهر والأكتاف وحمام سونا مجاني
هنا المكلا / وليد التميمي2010/9/30


المكلا مطار دولي؟!

عصف ذهني رهيب ينتابك وضغط نفسي حاد يعتريك عادة عندما تحاول اتخاذ قرار حاسم في مدى قدرتك على الانصياع لظرف طارئ أو الاستجابة لمهمة عاجلة قد ينطوي تنفيذها إجبارك على خوض مرحلة التحضير والأعداد للسفر المفاجئ في وقت قياسي.

حينها ستكون الخيارات أمامك محدودة جداً، خصوصا إذا كانت المسافة الجغرافية المقدرة بين نقطة الانطلاق ومحطة الوصول تتجاوز الـ1200 كم تقريباً، ففكرة السفر براً من المكلا إلى صنعاء تحديداً، تعتبر بمثابة إهدارا للوقت، ومغامرة منهكة للذهن والطاقة الجسمانية، بغض النظر عن سعر تذكرتها المناسب جداً مقارنة بقيمة( تكت) الطائرة الذي بإمكاننا أن نصفه ببساطة بـ(الخيالي)، لأن شركات الطيران على ما يبدو تتعمد رفع أسعار تذاكرها لتعويض خسائرها الفادحة جراء استفحال الديون المتراكمة للهيئة لدى المصالح والجهات الحكومية التي تقدر بالملايين، وعلى الرغم من ذلك فإنك - تحت إلحاح الحاجة القصوى للسفر سريعا- لا تجد مناصاً من التوجه لأقرب مكتب أو وكالة للطيران للوقوف على إمكانية الظفر بمقعد واحد والتحقق من سعر التذكرة، عندها ستدرك أنك تتعرض لمحاولة ابتزاز رخيص ومساومة مفضوحة، فالحجز مغلق نهائيا لأن الطائرة (فل)، أو أنه متاح شريطة البقاء في الانتظار والتشبث بحبل( الحظ) و ممكن بعد دفعك مبلغ (مهول) كعقاب على عدم تخطيطك المسبق للسفر ومنذ وقت مبكر، كما يحدث في طيران التعيسة.
وعندما تقتنع بالأمر الواقع وترضى بالمقدر والمكتوب وتقطع التذكرة وتستلم بطاقة الحجز، ستتفرغ لمهمة حزم حقائب السفر سريعا وضبط عقارب الساعة ومسابقة الزمن للوصول لمطار الريان في الوقت المحدد أي قبل إقلاع الطائرة بساعتين ولحظة دخولك للمطار الذي يسمى زوراً وبهتاناً بالدولي ستكون على موعد مع مواقف ظريفة ومقالب خفيفة، ولقطات كوميدية شبيهة بالكاميرا الخفية، عايشتها شخصياً الأسبوع الماضي.
مطار التعاسة الدولي
حينها ستلتزم الوقوف في بهو صالة استكمال إجراءات السفر ضمن طابور يخضع لقانون الزحف البطيء، خطوة إلى الأمام وأربع خطوات للوراء، وستلتقط أذناك أصوات بكاء أطفال وصراخ شباب وعتاب رجال على مندوبي شركات الطيران الذين يمتقع وجههم باللون الأحمر من شدة الحرج والخجل الذي يرتسم على ملامحهم وهم يحاولون إنهاء معاملات سفر ركاب الطائرة بالطريقة التقليدية البدائية (يدوياً) وليس إلكترونيا كما يحدث في مطارات العالم أجمع، وكأننا ضيوفاً على مطار أتعس بقاع الأرض، وليس مطار عاصمة حضرموت التي تضخ في ميزانية الدولة قرابة الـ80% من إيراداتها السنوية، ولكن المهزلة لا تقف أبداً عند هذا الحد، فالموظف المغلوب على أمره يضطر في بعض الأحيان لطرح سؤال غريب على المسافر حول موعد حجزه ومصدره! لدرجة أنك تعتقد لبرهة أنه يداعبك وسيطفئ لهيب حيرتك عندما يقول ضاحكاً، ابتسم معك الكاميرا الخفية، قبل أن يتركك ويصعد للطابق العلوي لإدخال كود الحجر لجهاز كمبيوتر مكتبي قديم للتحقق من صلاحيته، باعثاً برياح الشك والقلق في الشخص الذي يقف مصدوما في انتظار تأكيد قرار سفره من عدمه، وكأنه حصل على التذكرة في الشارع أو صرفت له بمناسبة حلول أعياد الميلاد.
عرض حمل أثقال وكمال أجسام مجاني
وطوال انتصابك في الطابور أمام كونتر مندوبي شركات الطيران، بإمكانك أن تستمتع بمسابقة كمال الأجسام ورفع الأثقال التي يمارسها عمال المطار من كبار السن وضعاف البنية الذين يحملون شنط وحقائب الركاب على ظهورهم، لنقلها إلى العربات الخارجية في انتظار شحنها في الطائرة، وعندما ينهشك الفضول وتلح في سؤالك واستفسارك عن دواعي هذا العرض المجاني المثير للرحمة والشفقة، تصاب بالصدمة والذهول عندما تعلم أنه يتكرر منذ أكثر من أسبوعين بعد انقطاع سلسلة الحزام العريض للآلة التي تنقل حمولات المسافرين أليا إلى الباحة الخلفية المطلة على مدرج المطار، وعفواً أيها السادة نحن في مطار عتمة الدولي.
حمام سونا قبل الإقلاع
وبمجرد أن يتم الاطمئنان على سلامة معاملات سفرك، ومنحك بطاقة صعود الطائرة، بعد حرق أعصابك والتسبب في ارتفاع ضغطك، يؤذن لك بدخول صالة الانتظار ثم صالة المغادرة، حيث ستستلقي على كراسي حديدية ستصيبك بالآلام في الظهر والأكتاف، وستحظى بحمام سونا، عربون محبة لاختيارك (مرغماً ) الخطوط الجوية اليمنية لرحلات سفرك الداخلية والخارجية، وأياً كانت جودة ونوعية العطر الذي تستخدمه وتركيز رائحته الفواحة، فأن سيل العرق سيجتاح كل شبر في جسدك، وينمى في داخلك الإحساس الرهيب بالنفور، والرغبة العارمة في تشفيط أطرافك بماء بارد أو دافئ، واه من المعاناة وصمت السلطة المركزية لتهيئة المطار بأبسط احتياجاته الأساسية.
الناس مقامات
و نظراً لاشتداد الحر وطول فترة البقاء في المطار، قد تجد نفسك مضطرا للتوجه لدورات المياه التي ستقف على أعتابها و تتجرأ على دخولها لتعداد علامات التشابه التي تجمعها مع الحمامات العامة في الشوارع والمساجد المهملة والأسواق التي يرتادها كل من هب ودب، وستدرك أنها لا تصلح للاستخدام الآدمي، كما لا ينفع المطار ذاته لأن يكون إسطبل لخيول أو زريبة جمال شيخ عرب، والمقارنة الموجعة أن محطة باصات النقل البري في البريده والقصيم بالمملكة العربية السعودية تعد أكثر تطوراً وتنظيماً من المطار الذي لم يشهد تغييراً حقيقيا باستثناء تبديل اسمه وطلاء جدرانه الخارجية بالورنيش الفاقع، والاكتفاء ببناء صالة فخمة لاستقبال وتوديع كبار الضيوف والمسئولين وقيادة المحافظة التي عزلت نفسها عن ما تبقى من أجزاء المطار، لأنه لم يعد يناسب مركزها ولا ينسجم مع (برستيجها) الخاص، والناس مقامات، لذلك علينا أن نبتلع قصة أن في حضرموت مطاراً دولياً يحمل أسم عاصمتها المكلا!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق